الشيخ عبد الغني النابلسي

133

الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية

وأنت خبير بأن هذه الآثار النبويّة اشتهرت بين الناس يعلمها الخلف عن السّلف تفيد أمرا شريفا فيه فضيلة وبركة فكيف يسوغ ردّها والطعن فيها ، ونسبة الكذب إلى من وجدوا في نفوسهم العلم بها من آبائهم وأجدادهم وما هي إلا عداوة في الدين وسدّ لسبيل الخير على المسلمين . [ من توقف في قبول الأثر النبوي على الصخرة ] والحاصل أنّه إن لم يكن الإجماع واقعا على أنها آثار تلك الأقدام المذكورة فقد ثبت ذلك بطريق التواتر وأخبار الخلف عن السّلف ، وذلك لاشتراطهم اتفاق المجتهدين في تحقيق الإجماع ، ونحن لا نعلم الآن أحوال المجتهدين المتقدمين في اتفاقهم على ذلك أو عدم اتفاقهم عليه أو سكوتهم عنه ، غير أنّ أول من ردّ ذلك وأنكره تقي الدين بن تيميّة وتلميذه ابن قيم الجوزية ، وتردّد في إثبات ذلك وإنكاره ، الجلال السيوطي ، وتردد أيضا الشهاب ابن حجر الهيتمي ، وعبارته في الجوهر المنظّم . وفي حديث إنّ بمكّة حجرا كان يسلّم « 1 » عليّ ليالي بعثت ، إني لأعرفه إذا مررت عليه ، إيماء إلى ما اشتهر على ألسنة الخلف عن السّلف إنّه الحجر البارز بزقاق المرفق لأنّه كان على ممرّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى بيت خديجة رضي اللّه عنها ، وعبارته في شرح القصيدة الهمزيّة التي للأبوصيري في المديح النبوي ، قال عند البيت المتقدم ذكره قريبا : الذي ذكره الناظم / ذكره غيره ممن تكلّم على الخصائص ، لكن بلا سند ، انتهى ، فقوله بلا سند ميل منه إلى ما ذهب إليه ابن تيمية وابن القيّم ومن تابعهما من إنكار ذلك ، والرّاجح هو إثبات ذلك ميلا إلى ما اتفق عليه عموم الناس واشتهر على ألسنة الخلف عن السّلف وإن لم يكن لهم مستند في ذلك ، فقد يكون لهم مستند وخفي عنّا كما قدمناه في الإجماع ، فإن هذا المقدار من العلماء المتقدّمين والمتأخرين وغيرهم من عوامّ الناس لا يتفقون في الغالب على أمر باطل ، ولا يخبرون بشيء كذب ، وقد بلغوا حدّ التواتر بحيث لا يحصى عددهم ، وإثبات الخبر أولى من نفيه ، وتخريج أحوال

--> ( 1 ) رواه الترمذي والدارمي وأحمد بن حنبل . المعجم المفهرس 1 / 426 .